قلب الرفاعي 7

الحلقة السابعة

فوجئ الجميع بدخول أدهم عليهم راكضا فاتجه إليه والده ليهدئ من روعه ويضمه إلى صدره وكذلك فعل أحمد

أحمد مستفسرا :
_مين اللي قالك يا أدهم ؟

أدهم لاهثا :
_اتصلت أسأل عليكم ياسمين حكتلي اللي حصل طمنوني أخبار عمي إيه دلوقتي ؟

أحمد :
_لسة في العمليات

إبراهيم :
_مكنش فيه داعي إنك تيجي يا بني وتسيب شغلك

أدهم بجدية:
_أنت بتقول إيه يا بابا  ..دا عمي شريف ..إزاي أسيبه في الحالة دي؟!!!

مها بحزن وآثار بكاء :
_حمد الله على السلامة يا أدهم

أدهم  بابتسامة :
_الله يسلمك يا مها ..متقلقيش إن شاء الله خير ..خلي إيمانك بربنا كبير

مها بهمس :
_ونعم بالله يااارب

وتمر الساعات بطيئة كأنها دهور متعاقبة ظل خلالها شريف بغرفة العمليات ما يتعدى 3ساعات ليخرج بعدها الطبيب إليهم متجهم الوجه فتجري إليه مها بلهفة :
_طمني يا دكتور بابا عامل إيه؟

الطبيب بحزن هو يخفض رأسه :
_والله يا بنتي مش عارف أقولك إيه ..أنا أسف البقاء لله

إبراهيم بصراخ :
_ انت بتقول إيه؟؟شريييييييييف


وسقط إبراهيم فاقدا للوعي فيجري إليه أدهم وأحمد والطبيب محاولين إفاقته ولكن بلا فائدة فاستدعى الطبيب طاقم التمريض وعدد من الأطباء وتم التعامل مع الحالة بمهارة وسرعة ونقل إلى العناية المركزة ليكون تحت الملاحظة الكاملة بعد إصابته بهبوط حاد في الدورة الدموية

أما مها فلم تنطق بحرف أو تذرف أي دموع كانت تشبه الأموات تجلس صامتة تنظر للفراغ أمامها بقلب مكلوم وعقل غائب عن الإدراك

وهنا وقع على عاتق الأخوين أحمد وأدهم القيام بكل إجراءات الدفن والعزاء وحتى الاهتمام بإبراهيم الراقد بعالم آخر وحتى مها التي أصبحت بين ليلة وضحاها جسد بلا روح

ذلك بالطبع مع عدم حضور رقية أو ياسمين فالأولى تعللت برفضها الرجوع لتلك المحافظة ثانية والثانية تعللت بالعمل ومتطلباته فأدهم أصر على أحمد ألا يبلغهم بتعب والدهم حتى لا يقلقوا وكانت النتيجة إهمال الاثنتين لواجباتهما الأولى تجاه زوجها وهو يمر بتلك الكارثة التي شقت قلبه لنصفين والثانية تجاه والدها وابنة عمها مها التي كانت الأقرب إليها في احد الأيام

ومرت الثلاث أيام الأولى للعزاء وهنا وجب على الأخوين سرعة التصرف لإنقاذ إبراهيم ومها من رقدتهم تلك فبادر ادهم كالعادة بإيجاد الحل

أحمد بتعب :
_وبعدين يا أدهم هنفضل كده لامتى

أدهم بإرهاق :
_مش عارف يا أحمد …بابا صحيح فاق لكنه تعبان قوي وأنا خايف عليه

أحمد بحزن :
_ومها كمان الصدمة مأثرة عليها جدا ..أنا خايف عليها قوي

فكر أدهم مليا ثم تحدث بجدية :
_بص أنا عندي حل ..دلوقتي لو رجعنا بيهم على القاهرة أنت عارف ماما هتعمل إيه في مها وبابا والاثنين مش مستحملين أصلا

احمد زافرا بضيق :
_عارف ..ما هو ده اللي قلقني هي مش بتحب مها ومش هتسكت على جوازي منها

أدهم بجدية :
_خلاص اسمع أنا هرجع على المنيا و….

فقاطعه أحمد بانفعال وغضب :
_انت إيه يا أخي عاوز ترجع لحياتك وتسبنا في الظروف دي انت ……..

أدهم مقاطعا بهدوء :
_يا بني اسمع أنا مش هرجع لوحدي انت وبابا ومها هتيجوا معايا ….لازم الاتنين يبعدوا عن أي توتر وفي نفس الوقت يبعدوا عن هنا إيه رأيك ؟

احمد بتفكير :
_تصدق صح …عندك حق ..طيب تمام أنا هخلص أوراق خروج بابا وهجيبه هو ومها على المنيا

أدهم واقفا :
_وأنا هسبقكم على هناك عشان أجهز كل حاجة وأجدد أجازتي ..سلام

وبالفعل بعد عدة ساعات كان أدهم قد وصل المنيا ليجهز شقته لاستقبال أحمد ومها وإبراهيم فأعلن هاتفه عن اتصال فنظر له وأجاب مرحبا :
_السلام عليكم ازيك يا حاج عبد العزيز

عبد العزيز :
_وعليكم السلام …الحمد لله ..البقاء لله يا بني أنا لسة عارف دلوقتي

ادهم بحزن :
_الدوام لله وحده متشكر يا حاج

عبد العزيز :
_مش محتاج حاجة يا بني ..أنا زي والدك

أدهم بامتنان :
_ربنا يخليك يا حاج متشكر جدا بس …هي ماما فاطمة أخبارها إيه ؟
عبد العزيز :
_بخير يا بني مبطلتش سؤال عنك .بس أنا مرضتش أقولها عشان متصممش تسافر لك ما انت عارف

ادهم :
_أحسن بردو هي صحتها تعبانة ومكنتش هتستحمل السفر

عبد العزيز :
_مالك يابني ؟انت تعبان ولا حاجة ؟

ادهم بإرهاق :
_مفيش يا حاج كتر خيرك أنا كويس الحمد لله

عبد العزيز :
_طب هترجع شغلك إمتى ؟

ادهم :
_لا مش هينفع أنزل دلوقتي ..بابا تعبان شوية وهيجي يقعد معايا فا مش هينفع أسيبه يعني

عبد العزيز بلهفة :
_والدك جاي ؟!!جاي امتى؟؟

أدهم :
_هو على وصول إن شاء الله هو واخويا ومراته بنت عمي الله يرحمه

عبد العزيز :
_الله يرحمه يابني ..يجوا بالسلامة ان شاء الله …طب هسيبك تظبط أمورك بس أمانة عليك لو احتجت لشيء تكلمني ..انت زي ابني يا أدهم

أدهم وقد شعر بمشاعر غريبة في صوته :
_متشكر يا حاج عبد العزيز ربنا يخليك

وبعد عدة ساعات وصلوا إلى محافظة المنيا ليحاول أدهم بمساعدة احمد بالتخفيف عن الاثنين والذي استطاع عبد العزيز هو الأخر  التقرب من إبراهيم وإخراجه من حالته وربط أواصر الصداقة بينها

صحيح أن الأخ لا يعوض بكنوز الدنيا ولكن شعر إبراهيم أن الله كان رحيم بحاله فأرسل إليه عبد العزيز ليأخذ بيده ويحاول يبدد حزنه فوجد عنده الصديق الحق والأخ وهذا ما ساعد إبراهيم كثيرا على تمالك نفسه كما انه فكر بحال مها والتي أصبحت لا تملك غيره بديل لوالدها ويجب أن يقوى ليستطيع مساندتها والوقوف بظهرها ليكون على قدر الأمانة التي صارت بعنقه وهو أبدا لن يفرط بالأمانة

أما مها فكانت تتحرك معهم بآلية كما الآلات لا تشعر لا تنتبه لهم غارقة هي في عالمها الخاص بل نستطيع القول أن عقلها الباطن فرض عليها غيبوبة ذهنية أطاحت بإدراكها لما يحدث حولها وقد حاول معها أحمد كثيرا ليخرجها من حالتها تلك وبرغم انه طبيب نفسي بارع إلا انه فشل معها فكانت لا تأكل واضطر لتركيب عدد من المحاليل المغذية لها فقط لتظل على قيد الحياة فذبلت أكثر وتحطم قلبه عليها وهو يراها أمام عينيه تذبل وتوشك على النهاية وعند هذا الخاطر جن جنونه وصرخ بها هادرا

أحمد منفعلا :
_يا مها حرام عليكي اللي بتعمليه فيا ده انا تعبت

اندفع أدهم للغرفة محاولا تهدئة أخيه :
_احمد أهدى مش كده

أحمد زافرا بضيق وغضب :
_أهدى إيه يا أدهم بقالنا على الحالة دي 10 أيام ومفيش جديد لا بتاكل ولا بتشرب أيديها ورمت من المحاليل ..خلاص أنا عاوز افهم هي عاوزة إيه بالظبط ؟

وأكمل موجها إليها الكلام :
_عاوزة إيه يا مها قولي عاوزة إيه بالظبط …عاوزة تموتي وتسبيني بعد ما قلت خلاص ربنا استجاب لدعواتي انك تكوني ليا ….إيه يا مها عمي الله يرحمه لو كان عايش دلوقتي كان هيعجبه اللي بتعمليه ده ….ردي عليا ؟؟؟؟

انفعال أحمد كان يمر أمام مها كالطيف لم تستطع أن تحدد معنى أكثر كلماته لذلك كانت تنظر له نظرة خاوية فارغة لا تعي أي شيء حتى أتى على ذكر والدها توافدت على عقلها الكثير من الصور أحدها من طفولتها وهي تركض خلف والدها في الأراضي الخضراء الواسعة التي يمتلكها وأخرى وهي تبكي على صدره معترفة له بحبها لابن عمها ومحاولته تهدئتها وإقناعها أن ما فعله كان الصواب ولصالحها فهي أبدا لن ترتاح مع زوجة أخيه رقية التي تكرهها بشدة وصورة أخرى وهو يقع مغشيا عليه وأخرى للطبيب يبلغهم بوفاته

انطلقت الصور كإعصار مدمر أزاح بقوة الغيبوبة التي فرضها عقلها فراحت تصرخ بقوة وهستيريا منادية على والدها وقامت من سريرها راكضة أبعدت المحاليل من يدها بعنف وراحت تركض تبغي الخروج من الغرفة لتذهب لوالدها فاندفع أدهم ليسد بجسده عليها الطريق في حين التفت إليها احمد وجذبها بشدة إليه وأطبق عليها بيديه محاولا تهدئتها والتحدث إليها ولكنها لم تكن تسمع ظلت تصرخ وتنادي على والدها وهي تضرب صدر أحمد بقوة رافضة الخضوع أو الاستسلام

فأشار أحمد  لأخيه الذي فهم إشارته واندفع خارج الغرفة في حين توقف أحمد عن الكلام لكنه كان ينظر لعينيها علها تسترشد طريقها بعينيه  ولم تمر سوى دقيقة كان أدهم قد عاد وبيده محقن ممتلئ بمادة مهدئة ووصلت نظرة أحمد لبغيتها تلاقت عيونهما معا فتاهت مها في بنيتيه شعرت أنها تحلق بعالم أخر ولم يمر سوى ثواني حتى جذب أدهم بحرص يدها وساعده على ذلك تكبيل أحمد لحركتها حتى لا تؤذي نفسها وبمجرد سريان الدواء بعروقها حتى غابت مها عن الوعي واستسلمت ليد احمد وسقطت على صدره فحملها بروية مقربها لصدره ضامها إليه وكأنه يبغي إدخالها وسجنها بين ضلوعه ثم أرقدها على الفراش ودثرها جيدا وخرج مع أخيه للخارج

في ذلك الوقت تحديدا كان إبراهيم في زيارته اليومية للحاج عبد العزيز بناء على دعوة الأخير اليومية له لتوطيد العلاقات بينهما وقد وجد إبراهيم في دعوة عبد العزيز نوع من السلوى التي كان يحتاجها في محنته أما عبد العزيز فلم تكن نيته خالصة للحب والصداقة وإنما كان يتقرب من إبراهيم بغية مساعدته في تحقيق هدفه الذي يخطط له ولكن بعد التعرف إلى إبراهيم أعجب به كثيرا وقرر العمل على ربط تلك الصداقة والأخوة بقوة حتى وان لم ينجح مخططه الذي يسعى إليه

ونعود لأحمد الذي بمجرد أن خرج من الغرفة حتى ألقى بنفسه على الأريكة مغمضا عينيه بتعب وإجهاد أخذ منه مأخذه ثم انحنى ليضع رأسه بين يديه ضاغطا عليها بقوة عل ألم رأسه يهدأ قليلا وهنا لم يستطع أدهم الصمت أكثر وهو يراقب أخيه بهذه الحالة

فربت أدهم على كتف أخيه مواسيا :
_معلش يا أحمد الصدمة مش قليلة عليها أتحمل شوية

رفع أحمد رأسه زافرا بتعب :
_انت بتقول إيه يا أدهم ؟ أنا عارف كل ده ….أنا بس كنت بحاول أضغط عليها عشان تخرج من حالة الصمت دي لازم تخرج كل اللي جواها

أدهم بإشفاق :
_ربنا يعينك على اللي جاي يا احمد

أحمد بهدوء :
_متقلقش يا أدهم أنا كويس بس نفسي تفوق بقى من الحالة دي …نفسي ترجع مها اللي حبيتها وتمنيتها سنين طويلة بس هقول إيه …قدر الله وما شاء فعل

أدهم بجدية :
_طب انت شايف ايه الوضع دلوقتي

أحمد بعملية :
_لازم تتكلم وتخرج كل اللي جواها لازم تبكي لازم تخرج من الجمود ده

فكر أدهم قليلا ثم انتفض واقفا :
_لقيتها …أنا عندي الحل

فوقف أحمد هو الأخر بأمل :
_ألحقني بيه أبوس أيدك

أدهم :
_…………

ياترى ما الحل الذي فكر فيه أدهم ؟
وهل سيوافق عليه أحمد ؟
وما مصير مها وكيف ستتغلب على حزنها؟

كل ده هنعرفه الحلقة الجاية باذن الله

بقلمي /لميس عبد الوهاب

لمتابعة كل الحلقات يرجى الضغط على كل حلقات قلب الرفاعي

 

1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *